الخميس , مايو 24 2018
الرئيسية / إسلاميات / الدرس الثانى : ولا تنازعوا فتفشلوا (الجزء الثانى)

الدرس الثانى : ولا تنازعوا فتفشلوا (الجزء الثانى)

الافتتاحية: الآيات(100-105) من سورة آل عمران

قال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران:100-105).
روي في سَبَبُ النّزول: “أنّ شاس بن قيس اليهودي مرَّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدثون، فغاظه ما رأى من ألفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة فقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار، ثم أمر شاباً من اليهود أن يجلس إليهم ويذكّرهم يوم «بُعاث» وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار- وكان يوماً اقتتلت فيه الأوس والخزرج وكان الظفر فيه للأوس- ففعل فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا وقالوا: السلاحَ السلاحَ، فبلغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين والأنصار فقال: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن أكرمكم الله بالإِسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية وألّف بينكم؟» فعرف القوم أنها كانت نزعة من الشيطان وكيداً من عدوهم، فألقوا السلاح وبكوا وعانق بعضهم بعضاً ثم انصرفوا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سامعين مطيعين فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿يا أيها الذين آمنوا إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾”(صفوة التفاسير).
يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: “يا له من منكر أن يكفر الذين آمنوا بعد إيمانهم، وآيات الله تتلى عليهم، ورسوله فيهم، ودواعي الإيمان حاضرة، والدعوة إلى الإيمان قائمة، ومفرق الطريق بين الكفر والإيمان مسلط عليه هذا النور: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ أجل إنها لكبيرة أن يكفر المؤمن في ظل هذه الظروف المعينة على الإيمان. وإذا كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد استوفى أجله، واختار الرفيق الأعلى، فإن آيات الله باقية، وهدى رسوله- صلى الله عليه وسلم- باق. ونحن اليوم مخاطبون بهذا القرآن كما خوطب به الأولون، وطريق العصمة بين، ولواء العصمة مرفوع: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
إنهما ركيزتان تقوم عليهما الجماعة المسلمة، وتؤدي بهما دورها الشاق العظيم. فإذا انهارت واحدة منهما لم تكن هناك جماعة مسلمة، ولم يكن هنالك دور لها تؤديه:

ركيزة الإيمان والتقوى

أولاً. التقوى التي تبلغ أن توفي بحق الله الجليل. التقوى الدائمة اليقظة التي لا تغفل ولا تفتر لحظة من لحظات العمر حتى يبلغ الكتاب أجله:﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ اتقوا الله- كما يحق له أن يتقى- وهي هكذا بدون تحديد تدع القلب مجتهداً في بلوغها كما يتصورها وكما يطيقها. وكلما أو غل القلب في هذا الطريق تكشفت له آفاق، وجدّت له أشواق. وكلما اقترب بتقواه من الله، تيقظ شوقه إلى مقام أرفع مما بلغ، وإلى مرتبة وراء ما ارتقى. وتطلع إلى المقام الذي يستيقظ فيه قلبه فلا ينام! ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.والموت غيب لا يدري إنسان متى يدركه. فمن أراد ألا يموت إلا مسلماً فسبيله أن يكون منذ اللحظة مسلماً، وأن يكون في كل لحظة مسلماً. وذكر الإسلام بعد التقوى يشي بمعناه الواسع: الاستسلام. الاستسلام لله، طاعة له، واتباعاً لمنهجه، واحتكاماً إلى كتابه. وهو المعنى الذي تقرره السورة كلها في كل موضع منها، على نحو ما أسلفنا.
هذه هي الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة لتحقق وجودها وتؤدي دورها

فأما الركيزة الثانية فهي ركيزة الأخوة في الله

، على منهج الله، لتحقيق منهج الله:﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً، فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً. وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها. كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ فهي أخوة إذن تنبثق من التقوى والإسلام. من الركيزة الأولى. أساسها الاعتصام بحبل الله- أي عهده ونهجه ودينه- وليست مجرد تجمع على أي تصور آخر، ولا على أي هدف آخر، ولا بواسطة حبل آخر من حبال الجاهلية الكثيرة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ هذه الأخوة المعتصمة بحبل الله نعمة يمتن الله بها على الجماعة المسلمة الأولى. وهي نعمة يهبها الله لمن يحبهم من عباده دائماً. وهو هنا يذكرهم هذه النعمة. يذكرهم كيف كانوا في الجاهلية «أَعْداءً». وما كان أعدى من الأوس والخزرج في المدينة أحد. وهما الحيان العربيان في يثرب. يجاورهما اليهود الذين كانوا يوقدون حول هذه العداوة وينفخون في نارها حتى تأكل روابط الحيين جميعاً. ومن ثم تجد يهود مجالها الصالح الذي لا تعمل إلا فيه، ولا تعيش إلا معه. فألف الله بين قلوب الحيين من العرب بالإسلام. وما كان إلا الإسلام وحده يجمع هذه القلوب المتنافرة. وما كان إلا حبل الله الذي يعتصم به الجميع فيصبحون بنعمة الله إخوانا. والنص القرآني يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط: «الْقَلْبِ». فلا يقول: فألف بينكم. إنما ينفذ إلى المكمن العميق: ﴿فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ فيصور القلوب حزمة مؤلفة متآلفة بيد الله وعلى عهده وميثاقه. كذلك يرسم النص صورة لما كانوا فيه. بل مشهداً حياً متحركاً تتحرك معه القلوب: ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾. وبينما حركة السقوط في حفرة النار متوقعة، إذا بالقلوب ترى يد الله، وهي تدرك وتنقذ، وحبل الله وهو يمتد ويعصم. وصورة النجاة والخلاص بعد الخطر والترقب، وهو مشهد متحرك حي تتبعه القلوب واجفة خافقة، وتكاد العيون تتملاه من وراء الأجيال”(في ظلال القرآن، بتصرف).
دروس مستفادة من الآيات:
• من الركائز الأساسية للجماعة المسلمة ركيزة الإيمان والتقوي ثم ركيزة الأخوة والوحدة.
• الخلاف والتنازع والشقاق والعداوة حفرة من النار تأكل الأخضر واليابس.
• …………………………………….أذكر دروساً أخري.

من الآثار السلبية للتنازع:
بعد عرض تاريخ الإسلام في الأندلس يقول الصلابي: “إن من الدروس المهمة لهذه الدراسة التاريخية أن نتوقى الهلاك بتوقي الاختلاف المذموم، لأن الاختلاف كان سبباً من الأسباب في ضياع الأندلس وهلاكها واندثارها وإن أخطر ما نعاني منه الآن الخلاف في صفوف الحركات الإسلامية التي تقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى وهذا الخلاف قد يؤدي إلى ضعف الحركات العاملة إذا لم نأخذ بسبل الوقاية منه”(دولة الموحدين). ويقول الشيخ عبد الكريم زيدان رحمه الله: “الاختلاف كما يضعف الأمة ويهلكها يضعف الجماعة المسلمة التي تنهض بواجب الدعوة إلى الله ثم يهلكها ولهذا كان شر ما تبتلى به الجماعة المسلمة وقوع الاختلاف المذموم فيما بينها بحيث يجعلها فرقا شتى، بحيث ترى كل فرقة أنها على حق وصواب وأن غيرها على خطأ وضلال، وتعتقد كل فرقة أنها هي التي تعمل لمصلحة الدعوة. وهيهات أن تكون الفرقة والتشتت والاختلاف المذموم في مصلحة الدعوة أو أنّ مصلحة الدعوة تأتي عن طريق التفرق، ولكن الشيطان هو الذي يزين الفرقة والتفرق في أعين المتفرقين المختلفين فيجعلهم يعتقدون أن اختلافهم وتفرقهم في مصلحة الدعوة. والاختلاف في الجماعة لايقف تأثيره عند حد إضعاف الجماعة وإنما يضعف تأثيرها في الناس وتجعل المعرضين ينفثون باطلهم في الناس ويقولون: جماعة سوء تأمر الناس بأحكام الإسلام، والإسلام يدعو إلى الألفة والاجتماع وينهى عن الاختلاف، وهي تخالفه إذ هي متفرقة مختلفة فيما بينها، كل فرقة تعيب الأخرى وتدعي أنها وحدها على الحق”(السنن الإلهية).

وفيما يلي أبرز الآثارالسلبية للتنازع:
الفشل وذهاب القوة: قال تعالي: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنفال:من الآية47) وقال صلي الله عليه وسلم «الجماعة رحمة والفرقة عذاب»(متفق عليه) ومن جملة هذا العذاب تفرق الكلمة وهوان الأمر وهو ما حذر منه الرسول صلي الله عليه وسلم في حديث القصعة فقال: «يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلي قصعتها قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن. قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت»(صححه الألباني).
انتزاع البركة: من الأفراد والجماعة ومن الأمة بأسرها، وتركها لنفسها، تصديقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يجمع أمتي أو قال أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة، ويد الله مع الجماعة ومن شذ شذ إلى النار» (صحيح الترمذي عن عبدالله بن عمر، رقم: 2167- صححه الألباني دون: “ومن شذ”)،فعند التنازع ترتفع يد الله تعالي عن معونة المتنازعين حتي يجتمعوا علي كلمة سواء.
تأخر النصر: لأن النصر لا يأتي مع التنازع والفشل والضعف وتفرق الكلمة، والله تعالي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد:7) وأول صور نصر الله علي أنفسنا أن نتخلص من الهوي، وألا نتعصب للرأي وألا ننتصر للنفس، وأن ننصف من أنفسنا، وألا نستجيب لداعي الفرقة.
ضعف الثقة: فإن حدة الخلاف والغضب قد تنسي حقوق الأخوة فيتدخل الشيطان بسوء الظن وسوء التأويل فيترتب علي ذلك ضعف الثقة بين المتنازعين، خاصة أن الشيطان يكمن في التفاصيل الصغيرة التي تصرف الناس عن الجوهر وتبقي أصل الخلاف. فتتسع الهوة وتضعف الثقة.
فتح الطريق أمام المغرضين: الذين لا يتنفسون إلا في جو الفتن وإتاحة الفرص أمامهم للنيل من الدعوة ورموزها ومنهجها ومشروعها وتاريخها ومحاولة تعطيلها، وتجميد الدماء في عروقها وتجفيف منابعها، ووقف تقدمها، وحرفها عن أهدافها، إذا أعيته الحيل في اجتثاثها واقتلاع جذورها بالوسائل الخارجية؛ فلا يهز الشجرة إلا فرع منها، وليس أخطر علي الجماعة والأمة من الشقاق الذي يستغله الأعداء لهدم البيت من داخله.
التخاذل المتبادل: بين أفراد الأمة وجماعاتها ودولها وحكوماتها، فيخذل بعضهم بعضاً في المواطن التي تتطلب نصرتهم، ويسلم بعضهم بعضاً إلى الأعداء الذين يستغلون هذه الحالة أسوأ استغلال وليس أدل علي ذلك من تاريخ ملوك الطوائف قديماً، وخذلان حكومات المسلمين للمقاومة الإسلامية في فلسطين خوفاً من إسرائيل والغرب من خلفها. بل قد يتطور النزاع إلي التحرش بين أبناء الأمة الواحدة، وتهييج الأعداء عليهم؛ نكاية ووشاية وشماتة كما تفعل السلطة الفلسطينية مع حماس لصالح إسرائيل. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه» (متفق عليه بهذا اللفظ) .
القطيعة والتعادي: فمن الثمار المرة للتنازع حدوث القطيعة، ووقوع العداء، وفي تاريخ الأمم والجماعات العديد من الشواهد التي تروي قصصاً مرة وأحياناً دامية لرفاق الكفاح عندما ينشب بينهم الخلاف فيتطور إلي تنازع وشقاق يفضي إلي القطيعة والعداء وقد يتطور إلي الحرب والضرب والأشلاء والدماء.
وقوع الحرج والفتنة: خاصة إذا وقع النزاع بين من يتوقع الناس منهم التعاون والتناصر أفراداً كانوا أو جماعات أو دولاً، ويزداد الحرج والفتنة إذا كان لكل من المتنازعين أيادي بيضاء وتاريخ ناصع مشرف؛ فإن الحيرة تصبح سيدة الموقف عند من لم يتح له أن يتعرف علي الحقائق ويستطيع أن يتبين وجه الحق، والكثير من الناس لا يهتم بتحقيق الخلاف ويظل متحيراً لارتباطه عاطفياً بطرفي النزاع.
الفتور والنفور: فقد يصاب الأفراد بالنفور من المتنازعين جميعاً، ويصابون بحالة من الإحباط تؤدي إلي الفتور والتراخي والانكفاء علي الذات والانصراف عن العمل الجماعي؛ خاصة إذا طالت حالة النزاع وتطورت، وغابت الرؤية الصحيحة وغامت، وأبطأ المصلحون وتأخر العلاج أو الحسم.
فوات المصالح: التنازع يستهلك الطاقات والجهود دخل الجماعة أو الدولة أو الأمة في ترميم الشروخ الناتجة عن التنازع، ويفوت عليها اغتنام الفرص وإصابة الأهداف، فالتنازع يشغل الأمة عن أهدافها الكبري ومشروعها، ولولا التنازع ما تمكن الفرنجة من محو الإسلام من الأندلس، ولولا النزاع ما بقيت إسرائيل في قلب الأمة ولولا التنازع ما حُكم المسلمون في بعض الأماكن بأقليات غير إسلامية.
تسرب الأخلاق الرديئة إلي النفوس: ومنها: الإعجاب بالرأي، واتباع الهوى، وسوء الظن واتهام النوايا، والتعصب وضيق الأفق، وتتبع العثرات، وتناكر القلوب، وهذه الأخلاق مهلكة للفرد والجماعة والأمة.
صفات وممارسات تؤدي إلي التنازع:
الفردية والتسلط : إذ إنهما يقضيان علي المؤسسية، وتضمحل في ظلهما الكفاءات، ويقل الإبداع، وينشأ الخلاف ويتسع، وتضيع الجهود والأوقات في التسلط ومحاولات دفعه والتخلص منه. وقد قال الشاعر:
رأي الجماعة لا تشقي البلاد به***** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها.
الضعف والترهل: لا شك أن ضعف الأفراد والجماعات والدول يغري الأقوياء بالتسلط عليهم واستغلالهم، وقد يؤدي هذا إلي تنازع الأقوياء علي مناطق النفوذ والسيادة والحصة من ثروات الضعفاء ثم يتطور هذا التنازع إلي صراعات دامية وحروب مدمرة. وفي هذا الإطار يمكن تفسير الحروب التي دارت بين الدول الاستعمارية الكبري للسيطرة علي أراضي المسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية. وهذه الحروب تتم غالباً علي أراضي الضعفاء ويدفعون ثمنها من دمائهم ومواردهم وحاضرهم ومستقبلهم دون أن يكون لهم فيها ناقة ولا جمل. والأخذ بأسباب القوة يعصم من وقوع هذا الخلل؛ فيحقق المصلحة للبشرية جمعاء.
المراء والجدل: وقد حذر رسول الله صلي الله عليه وسلم من الجدل وجعله سبباً للضلال بعد الهدي فقال عليه الصلاة والسلام: “ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه إلا أورثوا الجدل” ورغب في ترك المراء بقوله صلي الله عليه وسلم: “أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً”. وذلك لأن المراء والجدل يرتبطان بالهوي وطلب الغلبة من أي وجه وبأي سبيل.
الفراغ والبطالة: فمن لم يجد عملاً ولم يدر كيف ينتفع بوقته ويملأ فراغه انشغل بالآخرين ينازعهم، والنفس كما قيل إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. ولذا قال صلي الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ”. وقديماً قيل: “إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة” أي أن الصحة والفراغ والغني يفسد الإنسان إذا لم يستثمر هذه الطاقات في عمل الخير.
صفات وممارسات تؤدي إلي التآلف:
التربية علي أدب الخلاف وقبول الرأي الآخر: فعندما يتربي الإنسان علي اعتبار الخلاف أمر طبيعي و ضروري للتطور فإنه ينأي بنفسه عن التنازع والخلاف المذموم ويلتزم بآداب الخلاف ومنها احترام الرأي الآخر، وعدم تجريح الأشخاص و الهيئات، وعدم التعصب للرأي، وطلب الحق أينما كان، والرجوع للحق إذا استبان. يقول فولتير: “أختلف معك ولكني علي استعداد أن أدفع حياتي ثمنا لحقك في التعبير عن رأيك”.
التخلص من حب الدنيا: لأن حب الدنيا أحد أبرز أسباب التنازع؛ إذ إنه ينطوي علي طلب المغنم، وحب الصدارة وغير ذلك من أمراض القلوب التي تدفع الإنسان التنازع والصراع ونفي الآخر وتحقيره وتخوينه وغير ذلك من أسباب الفشل وذهاب الريح. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران:152).
الالتزام بالشوري والمؤسسية: فهما الحصن الحصين الذي يمنع الانزلاق إلي أتون التنازع والصراع؛ فالشوري أفضل آلية لحسم الخلاف، والمؤسسية أفضل آلية لاتخاذ القرار بشكل جماعي بعيداً عن الفردية والعشوائية.
تعميق ثقافة الحوار الهادف: فإذا أصبحت هذه الثقافة مستقرة سائدة تمثل جزءاً من تكوين الأفراد والجماعات والمؤسسات فإن بناء التوافقات والقدرة علي التعايش والتعاون بين أصحاب الاتجاهات المختلفة أمراً ممكناً.
تعميق قيم التآلف: ومن بينها إحسان الظن بالمخالف، الصدق في القول والعمل، و دقة النقل، والإنصاف من النفس، وعفة اللسان وغير ذلك من القيم التي تدعوا إلي تآلف القلوب مهما اختلفت العقول.
تطبيقات عملية:
1. يقيم كل فرد نفسه في هذه الممارسات الايجابية أو السلبية -حدد نفاط القوة والضعف -ابحث عن سبل العلاج-استعن بإخوانك في ذلك
2. كأسرة ماهي الممارسات التي تزبد التآلف بيننا وتمنع التنازع- حلقة نقاش نخرج منها بواجبات عملية

شاهد أيضاً

إمساكية رمضان 2018 .. مواعيد الإفطار والسحور

ننشر  إمساكية رمضان 2018، لمساعدة زوارها على معرفة أوقات الصلوات الخمس ومواعيد الإفطار والسحور. ضمت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *