الأربعاء , نوفمبر 22 2017
الرئيسية / مقالات / استحمار الشعوب لا يقف عند حدود بقلم: د.سيف الدين عبد الفتاح
د.سيف الدين عبد الفتاح

استحمار الشعوب لا يقف عند حدود بقلم: د.سيف الدين عبد الفتاح

كتب مالك بن نبي عن الاستعمار والقابلية للاستعمار، وكتب شريعتي عن الاستحمار والقابلية للاستحمار، ولم يكن يخطر على بالنا طيلة الشهور الماضية، أن شعوبا أخرى يمكن أن تكون محلا لعمليات الاستحمار والاستعباط والاستخفاف والاستهبال التي يمارسها الجنرالات تجاه الشعب المصرى منذ انقلابهم المشؤوم في 3 يوليو 2013، بيد أن تطورات الواقع أثبت أن هؤلاء الجنرالات لا يبالون في عرض مسائل الاستهبال على شعوب أخرى أوروبية كما في حالة مقتل الطالب الايطالي “جوليو ريجيني”.

بدأت القضية بأخبار متداولة حول اختفاء طالب الدكتوراة في العلوم السياسية جوليو ريجيني يوم 25 يناير 2016، الذي وافق الذكرى الخامسة لثورة يناير، الأمر الذى ردت عليه السلطات المصرية بالمقولة الشهيرة لدى أجهزة الأمن “جاري البحث عن المفقود”، واستمر الحال كما هو عليه إلى أن ظهرت جثة الطالب فى 4 شباط/فبراير 2016 ملقاة في أول طريق مصر – إسكندرية الصحراوي.

ارتبكت أجهزة الأمن المصرية في سياق محاولتها تفسير ما جرى للطالب، فبادرت مديرية أمن الجيزة  فور العثور على جثته إلى نفي الأبعاد السياسية في القضية، قائلة إن التحريات الأولية تشير إلى أن الواقعة مجرد حادث سير، وليس جنائي، وفقا للواء علاء عزمي، نائب مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة ، بعدها بأيام خرجت تفسيرات أخرى من الدوائر الأمنية ترمي الطالب بالشذوذ وتعزي مقتله إلى علاقات جنسية مشبوهة.

مع الوقت بدأت تسريبات تقرير الطب الشرعي، كان أولها في 13 شباط/فبراير وفقا لما نقلته وكالة رويترز، وجاء في التقرير المسرب أن جثة الطالب كان بها سبعة ضلوع مكسورة بالإضافة لعلامات صعق بالكهرباء في العضو الذكري وإصابات داخلية في مختلف أنحاء جسمه ونزيف بالمخ، وكذلك حملت جثته علامات على جروح قطعية بآلة حادة – يشتبه أنها شفرة حلاقة – وسجحات وكدمات، ورجح التقرير أيضا تعرضه لاعتداء بالعصى واللكم والركل، وفي نفس التوقيت تقريبا جرى تشريح ثان للجثة في ايطاليا وأظهر نفس النتائج تقريبا، وفقا لوزير الداخلية الإيطالي أنجلينو الذى علق قائلا ” لقد أظهر لنا التشريح  شيئا لا إنساني، شيئا حيوانيا تعرض له ريجيني”.

تزايدت الإشارات حول علاقة الشرطة المصرية بمقتل الطالب، خاصة بعد أن نشرت صحيفة “نيويورك تايمز”الأمريكية في 14 فبراير تقريرا يستند إلى ثلاثة من القيادات الأمنية في مصر، يشير إلى اعتقال الشرطة للطالب يوم 25 يناير لاشتباهها فيه، وأضافت الصحيفة أن المسؤولين الأمنيين الذين التقتهم قالوا إن ريجيني تم اعتقاله؛ لأنه كان وقحا جدا مع رجال الشرطة، وتصرف وكأنه رجل قوي، ثم تزايدت شكوكهم حوله بعدما فحصوا هاتفه المحمول ووجدوا أرقاما لأشخاص على صلة بجماعة الإخوان المسلمين وحركة 6 أبريل، اللتين تعدهما حكومة السيسي أعداء للدولة، الأمر الذى جعل الشرطة تظن أن ريجيني كان جاسوسا، فليس طبيعيا أن يأتي أحد الأجانب إلى مصر لدراسة أوضاع النقابات العمالية، وفقا لتصريحات القيادات الامنية للصحيفة.

وأظهرت السيرة الذاتية لريجيني أنه كان يتحدث العربية، وأن أبحاثه في رسالة الدكتوراة بجامعة كمبردج البريطانية تركزت على نشاطات الاتحادات العمالية في مصر بعد الإطاحة بمبارك، ونقلت الصحيفة أيضا رواية مختلفة تشير إلى أن الطالب الإيطالي القتيل عندما اختفى كان في طريقه إلى محطة مترو الدقي للقاء بعض أصدقائه، وإنه مر بجانب محال تجارية فيها كاميرات مراقبة أظهرت إلقاء القبض عليه من قبل رجلين يبدو أنهما من الشرطة المصرية اقتاداه إلى جهة مجهولة.

هكذا كانت الاشارات تتسرب واحدة تلو الاخرى تقترب جميعها من إدانة الداخلية المصرية لاعتقال الطالب وتعذيبه حتى الموت، إلى أن قام شاهد من أهلها فشهد شهادة أودت بإقالته ثم زيارته إلى الإمارات، حيث أكد وزير العدل المستشار أحمد الزند صحة ما تم تداوله حول اعتقال وتعذيب الشرطة للطالب الإيطالي.

وقال الزند في تصريحات تلفزيونية، مع الاعلامي حمدي رزق على قناة “صدى البلد” في 12 شباط/ مارس 2016، إن وزارة العدل أنجزت التقرير الخاص بمقتل الطالب وسلمته للجانب الإيطالي بكل صراحة وصرامة ووضوح “،وتابع الزند بأنه “كما هو متداول ومعروف ولا داعي لتكرار ما جاء في التقرير على الهواء حتى لا يستفيد منه اللي بالي بالك – يقصد الاخوان المسلمين – فالأمر على نحو ما تعرف وعلى نحو ما أعرف أنا، ولا يمكن أن نخرج تقريرا مزورا أيا كان الأمر، فما هو موجود بالجثة لا بد أن يذكر”، وهنا تدخل الاعلامي حمدي رزق مقاطعا “حتى لو كان له ثمن سياسي”، فرد الزند “حتى لو كان له ثمن أعلى من السيسي، فلا شيء يبرر الكذب والخطيئة إطلاقا”.

في نفس الحوار وقع الزند في خطأ لفظي في حق الأنبياء، حينما قال إنه سيحاسب المخطئ وسيسجنه حتى لو كان نبيا، وهو ما استغله النظام للإطاحة به في مشهد مهين آثار حفيظة القضاة بدعوى دفاعه عن الرموز الدينية المقدسة، لكن الجميع كان يعلم السبب الحقيقي للإطاحة به بهذه السرعة، وهو تثبيته التهمة على أجهزة الامن المصرية التي اعتادت عدم الخضوع للمساءلة عبر عقود.

تمر الأيام، وإذا بأجهزة الأمن المصرية تقرر إسدال الستار على القضية من خلال رواية هوليودية كوميدية أضحكت العالم كله من فرط سذاجتها و ما تضمنته من مضمون استخفافي للعقول، حيث جاء في بيان وزارة الداخلية بتاريخ 25 آذار/ مارس 2016 أن أجهزة الأمن تمكنت من استهداف تشكيل عصابي مكون من خمسة أفراد وقتلهم، بنطاق القاهرة الجديدة (شرق العاصمة) تخصص في انتحال صفة ضباط شرطة، واختطاف الأجانب وسرقتهم بالإكراه، مضيفة أنها عثرت على متعلقات تخص الطالب الإيطالي المقتول، لدى أقارب أحد أفراد التشكيل العصابي.

لم تنس أجهزة الأمن أن تظهر المتعلقات الشخصية التي عثرت عليها للملأ طبقا لمتطلبات حبك الرواية، فأظهرت الكاميرات حقيبة هاند باج حمراء اللون عليها علم دولة إيطاليا بداخلها (محفظة جلد بنية اللون بها جواز سفر بسم جوليو ريجينى مواليد 1988، كارنيه الجامعة الأمريكية الخاص به وعليه صورة الشخصية ومدون به باللغة الإنجليزية باحث مساعد، كارنيه جامعة كامبريدج خاص به، فيزا كارت خاصة به، 2 هاتف محمول، إلى جانب متعلقات أخرى تمثلت في قطع من مخدر الحشيش ونظارات شمسية ومبلغ من المال).

لم تكتف الداخلية المصرية بهذا المستوى الإبداعي في الأداء، بل خرج اللواء أبو بكر عبد الكريم مساعد وزير الداخلية المصري للعلاقات العامة والإعلام، ليؤكد أن العصابة التي تم تصفيتها اصطحبت الطالب الإيطالي القتيل جوليو ريجيني بعد اختطافه إلى أحد البنوك “في منطقة المعادي”، وسحبوا مبلغ عشرة آلاف دولار، وهو ما استغربه مقدم البرنامج خير رمضان فسأله: “هي العصابة بتتكلم إنجليزي؟”، ليرد مساعد وزير الداخلية: “إنهم يتفاهمون مع المخطوفين الأجانب”.

كانت هذه الرواية آخر ما تفتقت عنه أذهان القائمين على النظام القائم: أن يتم الصاق التهمة بتشكيل عصابي بعد شهرين من مقتل الطالب ومؤشرات متراكمة شملت شهادة من داخل النظام، تشير إلى تورط أجهزة الامن في قتل الطالب، ولم يخطر ببال الذي ابتكر هذه الرواية أنها ستجعل نظامه أضحوكة العالم وستساهم في كشف زيفه أكثر فأكثر، وهو بالفعل ما حدث.

لم تكد رواية الداخلية تتداول على المواقع الإلكترونية، حتى انحدرت معها مئات النكت والحودايت والتعليقات الساخرة، كالسيول العارمة على مواقع التواصل الاجتماعي على مستوى العالم أجمع، ونصبت معظم التعليقات الساخرين حول أسئلة من قبيل: ما الذي يدفع عصابة اختطفت شخص إلى الاحتفاظ بمتعلقاته الشخصية من الأساس؟ ألم يخطر ببال العصابة أن تتخلص من هذه المتعلقات حتى بعد أن تم إثارة القضية إعلاميا بحيث سمع عنها القاصي أو الداني؟ ما الذي يدفع عصابة هدفها سرقة الأجانب إلى قتلهم طالما أن الطالب ذهب معهم وأحضر لهم آلاف الدولارات من البنك كما تزعم رواية الداخلية؟ لماذا قتلت الداخلية التشكيل العصابي المزعوم دون أن تحاول القبض عليه ليعترف أمام الرأي العام ؟ ..إلخ.

اعتاد النظام الانقلابي القائم أن يخاطب الشعب المصري بلغة استخفافية استعباطية استحمارية، حتى صار هذا من المعلوم بالضرورة لكل متابعي المشهد المصري منذ انقلاب 3 يوليو، لكن لم يتخيل أحد أنه سيتحدث بنفس الطريقة إلى شعوب أخرى.

لا ندري في النهاية كيف ستدخل هذه الرواية على الشعب الإيطالي، ولا  كيف سيتعامل معها؟، وربما سيتعاملون معها باعتبارها صادرة من إحدى  التشكيلات العصابية التي يعرفها الايطاليون جيدا في بلادهم ويسمونها “المافيا”، وإن اختلفت وضعيتها في الحالة المصرية، فالمافيا لدينا ليست عصابة تواجهها الدولة وتسعى للقضاء عليها، بل عصابة تقود دولة وتتحكم في مفاصلها، إنها دولة جنرالات ما بعد 3 يوليو.

 

شاهد أيضاً

هيا بنا ننجح كما نجحت “30 يونيو” بقلم: وائل قنديل

لا أحد يملك مفاتيح الجنة والنار، ولا أحد يحتكر النسخة الأصلية من مفاتيح الثورة. لكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *