الثلاثاء , نوفمبر 20 2018
الرئيسية / أخبار / العمل الخيري في محفظة السيسي.. شخلل عشان تعدي

العمل الخيري في محفظة السيسي.. شخلل عشان تعدي

يسير قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على خطا سلفه جمال عبد الناصر في نهب أموال المصريين وتأميم الممتلكات ومصادرتها؛ انتقامًا من معارضيه وكل من يقف ضد المشروع الفاشي لدولة الفرد الواحد، حيث قدمت دولة عبد الناصر نفسها للشعب باعتبارها المنقذ والمنفذ لكل المشروعات، فأمّمت الحياة الاجتماعية كاملة وسيطرت على الوقف، وتحكمت في إدارة أعمال الخير، وقاد الضباط بأنفسهم من خلال جهاز الدولة الإداري جمع التبرعات من المواطنين في بعض مشروعات سنوات الثورة الأولى، ومع حلول السبعينيات وجدت الدولة نفسها فاشلة وعاجزة عن الوفاء بالاحتياجات الأساسية لمواطنيها، واستيقظت مصر على استشهاد 100 ألف جندي تحت جنازير دبابات الصهاينة الذين حصدتهم الطائرات الإسرائيلية، نتيجة فشل عبد الناصر ونظامه وتفرغه للانتقام من المصريين فقط.

وبعد الانقلاب العسكري في 2013 على الرئيس محمد مرسي، وصعود النظام العسكري الحالي، تحولت النظرة إلى العمل الخيري من قِبل رجال الأعمال من الاقتصار على دورها التكميلي كنوع من الوجاهة الاجتماعية أو الدعاية السياسية، لتصبح واجبا وطنيا وإعلانا للانتماء وتأييدا لسياسة النظام القائم، بعد اكتشاف نظام السيسي “مغارة علي بابا”، التي تدر مليارات الجنيهات من تبرعات المصريين في أعمال الخير.

رجال الأعمال

وسحب عبد الفتاح السيسي البساط من تحت أقدام رجال الأعمال الذين كانوا يتخذون مظلة العمل الخيري للوجاهة الاجتماعية، ليبدأ السيسي في السيطرة على هذه الأموال، كما تعمد الجيش في عصر السيسي إقصاء الشركات الخاصة الكبرى المرتبطة بشبكات المحسوبية القديمة، لصالح رجال أعمال وشركات جديدة أوثق علاقة بالجيش ونظام الحكم.

وكشف تقرير صحفي أعدته قناة “الجزيرة”، عن أن هذا التحول في العلاقة بين رجال الأعمال ونظام السيسي واختلافه عن علاقتهم بمبارك، نجده بارزا في ساحة الإعلانات، فإعلانات الحديد مثلا مؤشر كبير على هذا التحول، فبعد عام 2013 ظهرت إعلانات حديدٍ لشركة المصريين وشركة الجارحي للصلب، وقد كان غريبا منذ سنوات الألفية الأولى حتى قيام ثورة 25 يناير 2011 أن يظهر إعلان لأي شركة من شركات الحديد سوى حديد عز المملوكة لرجل الأعمال أحمد عز، عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني، والذي يعد قطبا رئيسيا في صناعة الحديد.

أبو هشيمة والجارحي

وبعد بزوغ أحمد عز كنجم سياسي في الحزب الوطني الحاكم، وكمحتكر لصناعة الحديد في عهد مبارك، بزغ نجم أحمد أبو هشيمة بشركته حديد المصريين، وجمال الجارحي صاحب شركة الجارحي للصلب، ليكسرا احتكار الحديد لصالح دورهما في العمل الخيري والاجتماعي، فأحمد أبو هشيمة وُضع في أعلى قائمة متبرعي صندوق تحيا مصر، وعُرف بنشاطه الخيري لكثير من القرى الفقيرة، وغيرها من المشروعات الخيرية التي نال على إثرها تكريما من دار الإفتاء في 2014، حيث دعّمت شركته سفر عدد من رجال الأزهر لأربع دول إفريقية، وحصل على عدة جوائز من مؤسسات عالمية لدوره التنموي. كذلك الحال عند جمال الجارحي الذي كان من بين حضور لقاء رجال الأعمال بالسيسي، والذي حثهم على التبرع لصندوق تحيا مصر الذي أُطلق أواخر 2014.

يعد الجارحي من أبرز المساهمين في صندوق تحيا مصر، وتروج إعلانات حديد الجارحي للمنتج بمفردات وطنية تدعو لقيم العمل لبناء مستقبل البلد، ويظهر ذلك في إعلان حديد الجارحي رمضان 2017 عبارات مثل: “واخدين على التحدي، جايين عشان نعدي، ونوصل بالبلاد دي لأعلى مكانة، إرادة من حديد جايين عشان نعيد من أمجادنا من جديد ويعلى بنانا، ابني على أرض مصر ابني عشان ابنك وابني مستقبل البلاد دي أمانة”.

وقال التقرير، إن الجيش رأى في رجال الأعمال، المحفظة التي تدعم دور الدولة المتخاذل في المجال الاجتماعي، فقد حثّ السيسي رجال الأعمال على رد جميل البلد عليهم، والمسارعة في الإقرار بوطنيتهم من خلال التبرعات، وفي الوقت نفسه أدرك رجال الأعمال خطورة العمل السياسي وعدم جدوى المكاسب التي يجنيها هؤلاء من ورائه بقدر ما يهدد مصالحهم، خاصة مع إغلاق المجال السياسي، ليصبح العمل الخيري هو الورقة الرابحة لمساندة النظام الحالي الذي ينسحب من الدعم الاقتصادي ودوره الاجتماعي، لننتقل من مرحلة تزاوج السلطة بالمال كما حدث في حكومة نظيف، إلى التزاوج بالسلطة من خلال العمل الخيري، ليصبح العمل الخيري والتبرع بمثابة صك الغفران المقدم لنيل رضا النظام.

قائمة شرف

ومع السياسة الجديدة، تضاعفت حاجة رجال الأعمال إلى الإعلان عن حضورهم ومساندتهم للنظام القائم من خلال العمل الخيري، فتزايدت الحاجة إلى الإعلانات، وأخرجت جريدة اليوم السابع قائمة شرف تحتوي على أهم رجال الأعمال المتبرعين لصندوق تحيا مصر، وكرمت مجلة “Business Today” ضمن احتفالية BT100 أفضل 50 شخصية مؤثرة فى الاقتصاد المصرى لعام 2017، حيث ضمت القائمة 41 رجل أعمال ومصرفيين وشخصيات عامة، يرأس معظمهم مؤسسات خيرية.

ودخلت الشركات ورجال الأعمال إلى ساحة العمل الخيري، من منطق السوق، والبضاعة عرض وطلب، حتى إن مجال العمل الخيري أصبح ملعبا للتنافس وصل للوشاية بين رواده فيما بينهم، كما حدث في الدعاوى والشكوك التي وجهها الكاتب وحيد حامد ضد مستشفى 57357.

وتحول العمل الخيري في ذاته إلى عمل دعائي لبعض المنتجات للشركات الكبرى الداعمة للمؤسسة الخيرية، مثل إعلان مستشفى 57357 الذي ينتهي بتوجيه الشكر لشركة كابسي، والتي رعت وتحملت تكلفة إنتاج الإعلان. وهي الشركة (كابسي للدهانات) التي يديرها م. لطفي البدراوي، رئيس مجلس إدارة جمعية أصدقاء المبادرة القومية ضد السرطان.

كما كانت شركة الاتصالات “موبينيل” تقدم في أحد إعلاناتها الدعائية حملة لدعم قيمة “فعل الخير ومكسب فاعل الخير”، على الرغم من كونها تعمل على ترويج منتج وخدمة مدفوعة الأجر، حيث نجد كلمات الأغنية تردد: “مش مهم مين بيعمل الخير، المهم انت تبدأ وتعمل الخير، لأنه أكيد هيرجعلك طول ما انت فاعل خير”.

المنطق التجاري

وسيطر المنطق التجاري على العمل الدعائي في جمع التبرعات للأعمال الخيرية، بالحرص على وجود نجوم المجتمع ومشاهيره، سواء كانوا لاعبي كرة أو فنانين، وأظهر مدى التناقض بين الدعوة لعمل الخير والدعوة للعيش بالقصور والفيلات الحديثة في “كموندات منعزلة” عن الغلابة، مثل الفنانة يسرا في إعلان مستشفى 500 500، كما تظهر في إعلان شركة مراسم العقارية لتروج بنغمة طبقية للسكن في المجتمعات الميسورة، وتحرص على الانعزال عن الفقراء في مجتمع “العلامة التجارية”.

ومن أكثر الأدلة على دعائية العمل الخيري في دولة السيسي، أعلن بنك الطعام في حملته الإعلانية عام 2015، عن قطار 2020 تحت شعار “مصر للجوع تاني مش راجعة”، بحلول 2020، ولكن مع تزايد معدلات الفقر في مصر خلال السنوات الأخيرة، وما يتلازم معه من زيادة معدلات الجوع، تعلن مؤسسة بنك الطعام عجزها عن تحقيق هذا الهدف، بعدما بلغت نسبة الفقر في 2015، 27.8%.

وهذا يطرح تساؤلا مهما عن الجدوى الحقيقية وراء هذه التبرعات، وهل يمكن أن تمثل حلا في مواجهة الفقر ومساندة الفقراء الذين يزدادون فقرا مع تخبط السياسات الاقتصادية، وزيادة معدلات التضخم والاستدانة، حيث إن استمرار ضخ التبرعات لن يغلق مجرى العوز المضطرد بتخلي الدولة عن مسئولياتها الاجتماعية لصالح التعويل على الشركات الكبرى ورجال الأعمال، والتي تعمل على تحميل المواطن وزْر الفقر الذي يدفع المواطن ضريبته، بصورة يبدو أنها لن تنتهي في الأفق المنظور، وغير المنظور!.

شاهد أيضاً

عباس يتوعد بإجراءات شديدة ضد قطاع غزة

توعد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بأن الأيام القادمة ستكون هناك إجراءات شديدة، في إشارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *