الأربعاء , نوفمبر 22 2017

زاد الحج

د / صلاح محمد
دكتورة فى الفقة الاسلامى
رحلة الحج ليست كغيرها من الرحلات؛ إنها ليست رحلة بالأجساد إلى مكة؛ حيث الكعبة وجبل عرفات..
إنها رحلة ربانية، رحلة نورانية، رحلة قلوب وأرواح تسعى إلى الله خالقها، فتتصل بأصلها، وتستمد القوة والحياة والسعادة،
وتتزود بالتقوى خير زاد.
إن هذا البيت الحرام ليس كغيره من البيوت، وإن كان من حجارة متشابهة..
إنه بيت الله الحرام، وهذا الجبل ليس كغيره من الجبال، وإن كان من نفس مكونات الجبال..
لقد خصهما الله بأسرار وفيوضات، وتأثير وتجليات، كما خصَّ سبحانه القرآن كلامه العظيم بأسرار وإعجاز وتأثير،
وإن كان من ألفاظ وحروف مثل التي نتكلم بها.. وهذا فضل منه ورحمة بنا وتيسير، فإننا لا نقوى على تحمل كلام الله على حقيقته مباشرة:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ (الحشر: من الآية 21).. كما أننا لا نستطيع تحمل تجلي الله:
﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ (الأعراف: من الآية 143)،
فيسر الله لنا زيارته والقرب منه ومناجاته، والنيل من فيوضاته بزيارة بيته الحرام، الذي تجلى عليه وخصه بفيوضات وأنوار تنعكس علينا بالقدر الذي نتحمله.
وعلى قدر تهيؤ القلوب التي تخشى ربها، على قدر استقبالها لهذه الأنوار والفيوضات الربانية، كما هي الحال مع كتاب الله– عز وجل:
﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: 23).
فيا أخي، عش رحلة الحج من خلال هذه النظرة الربانية كرحلة حياة للقلوب والأرواح،
لا من خلال النظرة الجسدية الحسية؛ فينشغل القلب بالله والقرب منه، والتزود من فضله وإحسانه ورحمته،
فيتحقق لك الحج المبرور، والزاد الموفور، والذنب المغفور، وتعود طاهرًا نقيًّا كيوم ولدتك أمك.
* وبهذه النظرية تعرف سر تلك المشاعر والأحاسيس الغامرة، التي هي مزيج من الخشية والمهابة،
والفرح والسعادة، عند وقوع بصرك على الكعبة المشرفة لأول مرة.
* والطواف بالكعبة- وهو تحية هذا المسجد- يبدأ باستلام الحجر الأسود وتقبيله إذا تيسر لك ذلك، متمثلاً عليه الصلاة والسلام في هذا الاستلام،
وهذا التقبيل، مصطحبًا نية العهد مع الله على التزام صراطه المستقيم، والقيام بواجبات الإسلام من جهاد وتضحية ونصرة لدينه في عزم صادق على الوفاء بالعهد وإتمام البيعة،
واستشعاره خطورة النكث في العهد، وما يترتب عليه من غضب الله وعذابه.. وفي إتمام هذا العهد بهذه الصورة زاد وأي زاد على طريق الدعوة.
* الطواف حول البيت صلاة في صورة خطوات، ودورات ودعوات، فأدِّه كأدئك للصلاة في خشوع وحضور قلب، وأدب ورفق بإخوانك أثناء الطواف،
واستشعر اطلاع الله عليك وأنت تؤدي هذه العادة حول بيته الحرام، واعلم أن قلبك هو موضع نظر الله إليه، فأخله من كل شيء إلا الله وحب الله، والإخلاص لله،
حينئذ تسمو الروح وكأنها هي التي تطوف حول البيت وليست الأقدام، ولتكثر من ذكر الله والدعاء لك ولإخوانك ولدعوتك.
* وعند الملتزم بعد الطواف استشعر- بالتصاقك بالبيت- الرغبة الشديدة في القرب من الله، وبتعلقك بأستار الكعبة،
استشعر الفقر والحاجة إلى الله وإلى مغفرته ورضوانه،
وبوقوفك على أعتاب الكعبة استشعر وقوف العبد الفقير على باب الغني الكريم، وليطلع الله منك على صدق الإقبال عليه، والإخلاص له، والخوف منه،
والرجاء فيه، والندم والتوبة النصوح، والشعور أن لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، مع الشعور بالحب والخضوع ولذة القرب والطاعة،
وفي هذا المزيج من المشاعر الطيبة السامية، أكثر الدعاء، واسكب العبرات، وجدد العزم والعهد مع الله، وكأنك لا تريد أن تترك أعتاب بابه إلا لتتيح الفرصة لغيرك من ضيوف الرحمن.
* وعند مقام إبراهيم تصلي ركعتين، وتتذكر الصلة الروحية الممتدة عبر الأجيال بيننا وبين سيدنا إبراهيم- عليه السلام-
واستجابة الله لدعواته بأن بعث فينا محمدًا- صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين.
* وماء زمزم ليس كغيره من الماء، فقد خصه الله كذلك بخير كثير، ولنذكر عند شربنا منه السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل، وكم قاسا من العطش قبل ظهور زمزم،
فلنروض أنفسنا على تحمل المشاق في سبيل الله، وفي ميادين الجهاد.
* والسعي بين الصفا والمروة أيضًا من شعائر الحج والعمرة، فهو عبادة وليس مجرد سير هذه الأشواط، وإذا صاحبها شعور بالتعب والمشقة فلنذكر السيدة هاجر وسعيها بين الصفا والمروة؛ بحثًا عن الماء لوليدها الذي أشرف على الهلاك؛ فما أجدرنا أن نتحمل مشاق السفر والجهاد في سبيل الله تعبدًا وتقربًا إلى الله، زكاةً لصحتنا، وشغلاً لأبداننا بطاعة الله.
* في أيام إقامتك بمكة وفي رحاب البيت الحرام، ما أروع وأجمل أن تنتهز الفرصة، وتؤدي جميع الصلوات، والكعبة المشرفة أمام ناظريك وفي هدوء الليل تنتحي جانبًا في رحاب الكعبة، وتتهجد لله وتناجيه، وتخبت له وتخشع، وتطرق باب الكريم بركعات وسجدات ودعوات ودمعات من خشيته، وفي هذا الجو الرباني لا ننسى أن نسأل الله أن يعز جنده، وينصر دينه، ويهزم أعداء الإسلام في كل مكان.

شاهد أيضاً

يوم عرفة.. أسرار وفضائل

الحمد لله الذي أكمل لنا الدين وأتمّ علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، وصلاة وسلامًا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *